ذرية إسماعيل وذرية إسحاق …
بين منهج البناء وسلوك الهدم …
كتب الشريف المستشار إسماعيل الأنصاري
الصراع الذى نراه اليوم وتشتعل به
الصراعات والحروب حول العالم وفى القلب منها منطقة الشرق الاوسط ليس وليد سياسيات حديثة ، ولا نتاج مخططات وخرائط اعدها الاستعمار وحده ، بل هو امتداد تاريخى وفكرى وعقدى ضارب في عمق الزمان ، بدأ منذ ذرية إبراهيم عليه السلام ، وتجلى فى اختلاف المناهج والطبائع قبل اختلاف الجغرافيا والسلطة .

ذرية إسماعيل عليه السلام … مدرسة الطاعة والبناء
يمثل سيدنا إسماعيل عليه السلام أول أبناء إبراهيم عليه السلام ، وقد كُتِب له أن يكون نموذجا للطاعة المطلقة ، والامتثال الصادق للحق ، والبناء من العدم .
تؤمر أمه هاجر أن تترك فى واد غير ذي زرع ، فتسلم وتوقن ، فيتفجر زمزم وتعمر مكة .
يؤمر إسماعيل بالذبح ، فيقول كلمته الخالدة فى ذاكرة الامم وصفحات التاريخ
” يا أبتِ افعل ما تؤمر ستجدنى إن شاء الله من الصابرين ” لانه امر جلل يحتاج الى صبر بعد الطاعه .
من هذا المنهج تشكلت ذرية عرفت
بالصبر الجميل ، الكرم ، إغاثة الملهوف ، حماية المستجير ، التعاون على البر ، وبناء الحياة لا تخريبها .
ولم يكن مصادفة أن تحمل الرسالة الخاتمة على عاتق هذه الذرية ، فتُنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليكون للعالمين رحمه ” الانس والجن والعرب والعجم والطائع والعاصى والمؤمن والكافر .

ذرية إسحاق … تاريخ من الجدل والنقض والمجادله …
في المقابل ، عرفت ذرية بنى إسرائيل فى النصوص السماوية والتاريخية بصفات معاديه للانسانبه ” قتل الأنبياء ، نقض العهود والمواثيق ، الجدل مع أوامر الله ،
والمكر والتآمر والخيانه ، السحر والدجل والشعوذة ، تحويل الدين إلى أداة هيمنة وتدمير لا رسالة هداية .
واليكم قصة إخوة يوسف عليه السلام نموذج مبكر لهذا السلوك الشيطانى المنزوع منه الشفقه والرحمه والمقطوع عنه صلة الارحام ، حيث تحول إلى حسد ، والحسد إلى حقد ومؤامرة ، والمؤامرة إلى جريمة كاملة الأركان .
ولعل البعض يسال نفسه لماذا لم تنزل الرسالة الخاتمة إلا على بنى إسماعيل !!!
لم يكن اختيار محمد صلى الله عليه وسلم من بنى إسماعيل اختيارا عرقيا ، بل اختيارا منهجيا ”
لأمة لا تعرف الكهنوت ، ولا تحتكر الإله ، ولا تزور النص وتحرفه لتشترى به عرض الدنيا ، ولا تتخذ الدين تجارة وسلعه تباع فى الأسواق ومبرر للقتل للطغاه والمستبدين فى دواوين الحكم والسلطه …

ومن اجل لذلك استقر اليهود في الجزيرة العربية مترقبين ظهوره ، لا انتظارا للإيمان به ، بل سعيا لقتله والتخلص منه ، وهذا ما حذر منه احد أحبار اليهود لعمه فعاد به الى مكه ولم يكمل رحلته التجارية خوفا عليه .
انه صراع الهدم والبناء … المستمر إلى قيام الساعة ….
إن ما نشهده اليوم ليس إلا امتدادا لهذا الصراع الازلى بين ” ذرية تحمل رسالة إصلاح ، وعدل ، ورحمة ، وبناء ” … ”
وذرية تفسد في الأرض ، وتبرر القتل ، وتشرعن العدوان باسم الوعد الإلهى المزعوم ” .
وللاسف سيظل هذا الصراع قائما “
وستظل ذرية بنى إسرائيل تحمل لواء افساد الأرض وحرق الأخضر واليابس ، وستظل ذرية إسماعيل حاملة للواء الحق والعدل والرحمه ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها ” .
علينا ان نعرف الان من هم دعاة السلام ومن هم دعاة الحرب !!!
لقد وضع القرآن ميزانا واضحا لا لبس فيه ” وإِن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكَل على اللَّه ”
فمن يدعى السلام ويمارس الإبادة ،
ومن يرفع راية الدين ويدوس القيم ويدهس الانسانيه ، ومن يطلب الأمن والسلام ومن يصنع الحروب …
قد فضح نفسه بنفسه أمام ضمير العالم .
وقد جاء القرار الإلهى والفرز التاريخى من فوق سبع سموات منزل فى كتاب كريم لاياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
” ان الله اصطفى آدم ونوح وآل ابراهيم وآل عمران على العالمين ”
…وبإن الحياه تدور وتصح فى فلك هذه ذرية اسماعيل سيدنا إسماعيل عليه السلام ، بما تحمله من صفات لا تتغير ” ذرِية بعضها من بعض واللَّهُ سمِيعٌ عَلِيمٌ ”
ومن فهم التاريخ فهم الحاضر ،
ومن وعى السنن الإلهية لم تنطل عليه الخدع ، ولا استدرجته المراوغات ، ولا خدعته شعارات زائفة مضلله ” ولا ترْكنوا إِلى الذين ظلموا فتمسكم النار ” .
ذلك هو القرار الإلهي العادل…
والحمد لله رب العالمين.
جريدة الوطن العربي سياسية – اجتماعية – اقتصادية – فنية- رياضية- مستقلة
