B نوال قارة تركي .. تكتب : المرأة بين الرؤية القرآنية وفكر النهضة وتحديات الحداثة السائلة - جريدة الوطن العربي
عاجل
الرئيسية » تحقيقات وتقارير » نوال قارة تركي .. تكتب : المرأة بين الرؤية القرآنية وفكر النهضة وتحديات الحداثة السائلة
https://cairoict.com/trade-visitor-registration/

نوال قارة تركي .. تكتب : المرأة بين الرؤية القرآنية وفكر النهضة وتحديات الحداثة السائلة

عند التأمّل العميق في الخطاب القرآني، بعقلٍ واعٍ وفكرٍ مستنير، يتكشّف لنا بجلاء أنّ القرآن الكريم لم يتعامل مع الأنثى بوصفها كائنًا هامشيًا أو تابعًا، بل قدّمها عنصرًا جوهريًا في بناء المنظومة الاجتماعية، وركيزة أساسية في تحقيق التوازن، وصيانة التماسك، وترسيخ أسس التعايش السلمي، بما يضمن أمن المجتمع الداخلي واستقراره. فالمرأة في التصوّر القرآني ليست حضورًا ثانويًا، بل فاعلًا تاريخيًا، ومكوّنًا بنيويًا في عمران الإنسان والمجتمع.
وقد أكّد القرآن الكريم هذا التصوّر من خلال نماذج نسوية متعدّدة، جسّدت أسمى القيم الإنسانية من صبرٍ، وتضحية، وتوكّل، ووعيٍ بالمسؤولية الجماعية. فنموذج أمّ موسى يبرز امرأة واجهت الخطر الوجودي بعقلٍ راجح وإيمانٍ راسخ، فكان قرارها واعيًا، موجّهًا نحو حماية المستقبل لا الاستسلام للخوف. وكذلك امرأة عمران التي قدّمت أنموذجًا للمرأة الرسالية، حيث تجاوز فعلها البعد الفردي ليصبح إسهامًا حضاريًا في إعداد جيلٍ يحمل مشروع الهداية والإصلاح.
وتتجلّى القيادة النسوية في أبهى صورها في شخصية ملكة سبأ، التي يقدّمها القرآن نموذجًا للحاكم الراشد، القادر على تغليب الحكمة والحوار على الصدام، واتخاذ القرار بناءً على مصلحة الجماعة لا نزوة السلطة. إنها قيادة تقوم على العقل الجمعي، وتدبير الأزمات، واستيعاب موازين القوة، وهو ما يعكس وعيًا سياسيًا متقدّمًا سبق كثيرًا من النماذج الحديثة.
ولا يقتصر هذا التصوّر القرآني على المجتمع الإنساني فحسب، بل يتّسع ليشمل النظام الكوني بأسره؛ إذ يلفت القرآن الانتباه إلى نموذج النملة، التي تمارس دورًا قياديًا فطريًا في حماية جماعتها وصيانة كيانها من الخطر. في هذا المشهد القرآني دلالة عميقة على أنّ القيادة ليست سلطة قهر أو تسلّط، بل وعي بالمسؤولية، وحفظ للمجموع، واستبصار بالعواقب.
وفي مقابل هذه النماذج المضيئة، يعرض القرآن نماذج مضادّة، يبيّن من خلالها أنّ انحراف الأنثى عن قيمها وفطرتها لا يظلّ أثره فرديًا معزولًا، بل ينعكس مباشرة على تفكّك البنية الاجتماعية واضطرابها. ويتجلّى ذلك في ذكر امرأتي نوح ولوط، حيث لم يشفع لهما القرب من الصالحين، لأنّهما تخلّتا عن القيم الإيمانية التي تحفظ الانسجام الأخلاقي للمجتمع. كما تتعزّز هذه الدلالة بالإشارة إلى أنثى العنكبوت، التي يرمز بيتها الواهي إلى هشاشة الكيان القائم على الأنانية وغياب روح المسؤولية المشتركة.
وعليه، يقدّم القرآن الكريم رؤية متكاملة للأنثى، تربط بعمق بين القيم، والقيادة، والاستقرار الاجتماعي، مؤكّدًا أنّ صلاح المرأة ليس شأنًا فرديًا خاصًا، بل ركيزة أساسية في صلاح المجتمع أو فساده.
هذا المعنى ذاته نجده متجلّيًا بوضوح في فكر المفكّر الجزائري مالك بن نبي، الذي ربط نهضة الأمة بمكانة المرأة ودورها التربوي والحضاري. ففي تصوّره، تنهض الأمة بالمرأة التي تتصف بالحنكة والحكمة، والتي تحمل في جوهرها بصيرة نافذة ورؤية ثاقبة، تتجاوز التعامل السطحي مع الظواهر لتدرك عمق الأشياء بعد تحليلها الدقيق. فالمرأة الواعية، في فكره، قادرة على التمييز بين التجديد الأصيل والتحديث الزائف، وبين الإبداع الحضاري والتقليد الأعمى، وبين الاستفادة من الآخر والذوبان فيه.
ويرى مالك بن نبي أنّ المرأة تمثّل المجتمع بأكمله، لأنها المدرسة الأولى في تكوين شخصية الأبناء، وصاحبة الدور المركزي في ترسيخ القيم الأخلاقية المثلى المستمدّة من المنهج الإسلامي. فهي في مشروعه الحضاري صانعة الإنسان، وحافظة القيم، وشريكة النهضة، لا موضوعًا للزينة ولا أداة للصراع الأيديولوجي.
غير أنّ هذا الدور الرسالي يواجه اليوم تحدّيات جسيمة في ظلّ ما يُعرف بـ عصر الحداثة السائلة، ذلك العصر الذي يتّسم بعدم الثبات، وتفكّك القيم، وتسارع التحوّلات على المستويات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية. ففي هذا السياق، تشهد المجتمعات الإسلامية ضغوطًا متزايدة نتيجة استيراد نماذج هوياتية غربية، ومحاولات طمس الهوية الإسلامية، وإقصاء النماذج القيادية الراسخة في الذاكرة التاريخية الإسلامية، واستبدالها بشخصيات نمطية تُسوَّق على أنها رموز للتحرّر والتقدّم، بينما تؤول بالنساء والشباب إلى الانحراف والانحلال القيمي.
وأمام هذا الواقع، تبرز بطولة قيادية صامتة لنساء أدّين أدوارهن بأعلى درجات الوعي والمسؤولية، وأتقنّ فنّ الإدارة الأسرية، ودخلن معركة ما يُسمّى بـ الجهاد الأكبر؛ جهاد الحفاظ على الهوية والقيم، والتأقلم الواعي مع العصر دون الانصهار فيه. فقد واجهن منظومة حداثية تركّز على الشكليات وتُهمل الجوهر، وراهنّ على المظاهر وتغفل المعاني، فاخترن الثبات بدل الذوبان، والوعي بدل الانبهار.
إنّ هذه المرأة، بثباتها على القيم الأخلاقية والروحية والفكرية التي تمليها الشريعة الإسلامية، وبمقاومتها لإغراءات الاستهلاك وزخرف الحياة المادية، تمثّل اليوم خط الدفاع الأول عن التوازن الاجتماعي، وعن الإنسان في بعده القيمي والروحي. فهي ليست ضد الحداثة، بل ضد تفريغها من بعدها الإنساني، وليست رافضة للتجديد، بل رافضة للانفصال عن الجذور.
وهكذا، يتقاطع الخطاب القرآني مع فكر النهضة عند مالك بن نبي، ليؤكّدا معًا أنّ المرأة الواعية هي حجر الأساس في بناء الإنسان، وصمام الأمان للمجتمع، وجسر العبور نحو مستقبلٍ متوازن، قادر على التفاعل مع العالم دون أن يفقد ذاته.

بقلم نوال قارة تركي

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المهندس سامح أبو النور: الرئيس السيسي حمى مصر والمصريين وحديثه مصدرا رئيسيا لطمأنة الشعب

صرح المهندس سامح أبو النور نائب رئيس المنظمة المصرية الدولية لحقوق الإنسان والتنمية لقطاع التنمية ...