B نوال قارة تركي.. تكتب : الإدمان بين الردع القانوني والمقاربة السوسيولوجية الشاملة - جريدة الوطن العربي
عاجل
الرئيسية » تحقيقات وتقارير » نوال قارة تركي.. تكتب : الإدمان بين الردع القانوني والمقاربة السوسيولوجية الشاملة
https://cairoict.com/trade-visitor-registration/

نوال قارة تركي.. تكتب : الإدمان بين الردع القانوني والمقاربة السوسيولوجية الشاملة

في ظلّ التزايد المقلق لظاهرة المخدرات والمهلوسات، لم يعد من الممكن اختزالها في بعدها القانوني أو التعامل معها بوصفها مجرد انحراف فردي معزول. وفي هذا الإطار، جاءت العلوم الاجتماعية لتنتقد مثل هذه المقاربات الاختزالية، من خلال تقديم خطط بحثية وعلمية محكمة تهدف إلى الحد من انتشار الظاهرة من جهة، والعمل على تحويل السلوكيات المنحرفة إلى سلوكيات سليمة وقويمة من جهة أخرى، استنادًا إلى نظريات علمية تراعي السياق الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
فمحاربة المخدرات لا تكون فقط عبر الردع القانوني والعقوبات الزجرية، بل عبر مقاربة سوسيولوجية شاملة تعالج الجذور العميقة للظاهرة. ذلك أن الإدمان، في علم الاجتماع، يُفهم غالبًا كنتيجة لاختلال في الروابط الاجتماعية، أو فقدان للمعنى، أو شعور بالتهميش والإقصاء.
من هذا المنطلق، تؤكد بعض النظريات الاجتماعية أهمية تعزيز الروابط الاجتماعية. فحسب نظرية الضبط الاجتماعي التي صاغها عالم الاجتماع الأمريكي Travis Hirschi، كلما قويت علاقة الفرد بأسرته ومدرسته ومجتمعه، ضعفت احتمالية انحرافه. لذلك فإن تقوية الحوار الأسري، وإدماج الشباب في أنشطة رياضية وثقافية ودينية، ودعم المدرسة كفضاء احتواء لا مجرد مؤسسة تلقين، تعدّ ركائز أساسية في الوقاية من الإدمان.
كما تبرز معالجة التهميش والبطالة كعامل محوري في الحد من الظاهرة. فقد أشار عالم الاجتماع الأمريكي Robert K. Merton في نظرية الضغط إلى أن انسداد الأفق أمام الأفراد، خصوصًا الشباب، قد يدفعهم إلى البحث عن بدائل منحرفة للهروب أو التعويض. ومن هنا، يصبح خلق فرص تكوين مهني حقيقية، وتمويل المشاريع الصغيرة، وفتح فضاءات شبابية في الأحياء الهشة، خطوات عملية لإعادة الأمل وإعادة دمج الشباب في النسيج الاجتماعي.
ولا يقلّ أهمية عن ذلك بناء هوية إيجابية ومعنى للحياة. فغياب الهدف والشعور بالفراغ الوجودي يجعلان الفرد أكثر عرضة للوقوع في براثن الإدمان. لذا فإن برامج التوجيه النفسي والاجتماعي داخل المدارس، وتعزيز خطاب ديني وسطي يمنح الأمل بدل الاقتصار على التخويف، وتقديم نماذج ناجحة من نفس البيئة الاجتماعية، كلها تسهم في ترسيخ شعور الانتماء والجدوى.
أما على مستوى الوقاية، فقد أثبتت الدراسات أن التربية القائمة على الحوار أكثر فاعلية من أسلوب الترهيب المجرد. فالتوعية الواقعية التي تشرك المتعافين السابقين في حملات التحسيس، وتدرّب الأولياء على اكتشاف العلامات المبكرة للإدمان، تفتح بابًا للتدخل المبكر قبل استفحال المشكلة.
كما أن خلق بدائل صحية للفراغ يمثل عنصرًا حاسمًا في المواجهة. فالفراغ الاجتماعي أرض خصبة للانحراف، بينما تسهم النوادي الرياضية والفنية، والمبادرات التطوعية، والمسابقات الثقافية، في تعزيز الإحساس بالانتماء وتفريغ الطاقات بشكل إيجابي.
وأخيرًا، تفرض المقاربة السوسيولوجية اعتماد منظور علاجي لا وصم اجتماعي. فالمدمن مريض يحتاج إلى علاج ورعاية، لا إلى إقصاء وتجريم مضاعف. إن إنشاء مراكز استماع سرية للشباب، ودعم العائلات نفسيًا لتفادي العزلة والفضيحة، يسهمان في كسر دائرة الصمت والخوف التي تعمّق الأزمة بدل حلّها.
خلاصة القول، إن الإدمان ليس مجرد انحراف فردي، بل هو عرض لاختلال اجتماعي أوسع. ومن ثمّ، فإن مواجهته الفعّالة تتطلب تكاملاً بين أسرة واعية، ومدرسة حاضنة، ومجتمع متماسك، ودولة تضمن العدالة وتوفّر الفرص. عندها فقط يمكن أن ننتقل من منطق المواجهة الظرفية إلى منطق المعالجة الجذرية، ومن ردّ الفعل إلى صناعة الوقاية.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإعلامية عائشة الرشيد : النائب العام الليبي يأمر بضبط 3 اشخاص مشتبه في مقتل سيف الإسلام القذافي

قالت الإعلامية عائشة الرشيد إن النائب العام في ليبيا أعلن أن التحقيقات في مقتل سيف ...