بقلم / نوال قارة تركي
تقتضي حكمةُ الله في تسيير الكون أن يجري وفق قوانين ومعايير محكمة ومتقنة الصنع، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ — سورة النمل، الآية 88.
ومن هذا المنطلق، يمكننا الوقوف على المعنى الكلّي لكلمة التسبيح الذي يليق بالكون ليؤدي مهمته على أكمل وجه. فعند التحليل العميق لهذه المفردة في سياق الخطاب القرآني، نجد أنها لا تقتصر على إيقاعٍ يردّده اللسان، أو تكرارٍ صوتيّ لكلمات معيّنة، بل هي أوسع وأعمق من ذلك بكثير.
فالتسبيح، في حقيقته، ليس مجرّد أصوات أو اهتزازات تنبع من عمق الكون، بل هو تعبير عن انضباط كوني شامل؛ إذ يتمثّل في التزام الموجودات كلّها بالنظام الذي سنّه الله لها، وفق قوانين دقيقة ومعايير متناسقة مع بنيتها. وبصيغة أخرى، فإن الكون لا يسبّح بلغة الحروف والكلمات، بل بلغة النظام والانسجام.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى:
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ — سورة الإسراء، الآية 44.
وعند التأمّل في خلق الله، يتجلّى هذا التسبيح في أبهى صوره؛ فالقمر لا يخرج عن مداره، والإلكترون لا يتمرّد على قوانينه، والنجوم لا تنحرف عن مساراتها، كما أن الخلية لا تخون برنامجها، بل حتى الذرّة، على صِغَر حجمها، تلتزم نظامها المحدّد بدقّة متناهية. إنّه انسجام كوني شامل، لا يعرف الفوضى ولا العشوائية.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن ربط هذه المعطيات بالفكر الفلسفي للحُجّة الغائيّة، كما صاغها كلٌّ من أرسطو وتوما الأكويني، لنستخلص أن هذا النظام المتقن لا يمكن أن يكون وليد الصدفة، بل هو من صنع حكيم عليم، لهدفٍ وغاية. وقد أكّد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وبناءً على ما تقدّم، يتبيّن أن الإنسان خُلق ليكون جزءًا من هذا النظام، لا خارجًا عنه؛ إذ سُخّر له الكون بما فيه من نعم وخيرات، ليقوم بدورٍ أساسي يتمثّل في التسبيح لله وحده، أي الإقرار بوحدانيته، والخضوع لنظامه، وتحقيق الطاعة وفق قوانين منسجمة، ليظلّ هذا الوجود كلّه في حالة توازن دقيق، كحركة عقارب الساعة.
غير أن الإنسان، بخلاف سائر المخلوقات، مُنح حرية الاختيار، وهنا تبرز الإشكالية: ماذا يحدث إذا انحرف عن هذا النظام الكوني المنسجم؟
إن أولى نتائج هذا الانحراف تظهر في اختلال التوازن، حيث ينتشر الفساد في الأرض بمختلف صوره، من ظلمٍ واستبداد، إلى تخريبٍ بيئي، وصولًا إلى الحروب والصراعات. وقد عبّر القرآن عن ذلك بقوله تعالى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾،
في إشارة واضحة إلى أن خروج الإنسان عن النظام الإلهي يُحدث اضطرابًا داخل منظومة قائمة على الانسجام.
ومن منظورٍ جماليّ، يمكن تشبيه الكون بسيمفونية متكاملة، كل عنصر فيها يؤدي دوره بدقة وتناغم، غير أن الإنسان، حين ينحرف، يتحوّل إلى نغمة شاذة تخرج عن الإيقاع العام، فتُحدث نشازًا لا يوقف اللحن، لكنه يشوّه جماله.
ولا يقف أثر هذا الانحراف عند العالم الخارجي، بل يمتدّ إلى داخل الإنسان ذاته، حيث يفقد توازنه النفسي، ويعيش حالة من القلق والاضطراب، لأن فطرته الأصلية منسجمة مع هذا النظام. فإذا خالفه، انفصل عن ذاته قبل أن ينفصل عن الكون، أمّا إذا انسجم معه، نال الطمأنينة والسكينة.
كما يؤدّي هذا الانحراف إلى تعطيل الغاية من الوجود؛ فالإنسان خُلق ليكون عابدًا ومُعمّرًا للأرض، فإذا تنكّر لهذا الدور، فقد معناه الحقيقي، وتحوّل من عنصر بناء إلى عنصر هدم، ومن أداة تحقيق للحكمة إلى سببٍ في نقضها.
ومع ذلك، تبقى حقيقة دقيقة لا بد من إدراكها، وهي أن الإنسان، مهما بلغ انحرافه، لا يستطيع أن يُفسد النظام الكوني العام، ولا أن يوقف مسيرته المحكمة؛ فالكون مستمر في تسبيحه، خاضع لقوانينه التي لا تتبدّل. غير أن الإنسان قد يُقصي نفسه من هذا الانسجام، فيعيش غريبًا داخل نظامٍ لا يختلّ بغيابه.
وخلاصة القول، إن الكون كلّه يسبّح في صمتٍ منضبط، من خلال التزامه الدقيق بالنظام الإلهي، بينما يقف الإنسان على مفترق طريق: إمّا أن ينسجم مع هذا التسبيح الكوني فيكون جزءًا من تناغمه، أو أن ينحرف عنه، فيتحمّل تبعات نشازه، دون أن يغيّر من مسار الكون شيئًا.
جريدة الوطن العربي سياسية – اجتماعية – اقتصادية – فنية- رياضية- مستقلة
