B الدكتور محمد الزنط.. يكتب : بين البناء المادي والبناء القيمي - جريدة الوطن العربي
الرئيسية » تحقيقات وتقارير » الدكتور محمد الزنط.. يكتب : بين البناء المادي والبناء القيمي
https://cairoict.com/trade-visitor-registration/

الدكتور محمد الزنط.. يكتب : بين البناء المادي والبناء القيمي

تمر المجتمعات بمراحل متباينة من الاستقرار والتغير، وبين الحين والآخر تفرض الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية تحديات تستوجب إعادة النظر في كثير من السلوكيات والعادات والأنماط الحياتية السائدة. ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته بـ”إعادة ضبط إيقاع المجتمع”، وهي عملية تهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات الواقع وطموحات المستقبل.
إعادة ضبط الإيقاع لا تعني تغيير هوية المجتمع أو التخلي عن القيم الراسخة، بل تعني مراجعة الأولويات وترشيد السلوكيات بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة. فالمجتمع الذي ينجح في إدارة موارده بكفاءة، ويحترم قيمة العمل والإنتاج، ويعزز ثقافة الانضباط والمسؤولية، يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق التنمية المستدامة.
وتبدأ عملية إعادة الضبط من الفرد، حين يدرك أن حقوقه ترتبط بواجباته، وأن نجاحه الشخصي جزء من نجاح المجتمع ككل. كما تمتد إلى الأسرة التي تُعد المدرسة الأولى لغرس قيم الاحترام والالتزام، ثم إلى المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية التي يقع على عاتقها دور محوري في بناء الوعي وتصحيح المفاهيم.
إن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم المشروعات أو الأرقام الاقتصادية، بل بمدى انعكاسها على سلوك المواطنين وثقافتهم وقدرتهم على التفاعل الإيجابي مع التحديات. فكل مشروع ناجح يحتاج إلى مواطن واعٍ يحافظ عليه، وكل فرصة تنموية تحتاج إلى مجتمع يقدر قيمة العمل والإنتاج.
وفي ظل عالم سريع التغير، أصبحت الحاجة ملحة إلى ترسيخ ثقافة الالتزام بالقانون، واحترام الوقت، والحفاظ على الممتلكات العامة، وتعزيز روح التعاون والتكافل. فهذه القيم ليست شعارات تُرفع، بل ممارسات يومية تشكل أساس أي نهضة حقيقية.
إن إعادة ضبط إيقاع المجتمع مسؤولية مشتركة لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي واجب يشارك فيه الجميع. وعندما تتوحد الجهود وتتكامل الأدوار، يصبح المجتمع أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتقدم، وأكثر استعدادًا لبناء مستقبل يليق بأبنائه ويحقق تطلعاتهم.
ولا تكتمل عملية إعادة ضبط إيقاع المجتمع دون مواجهة مظاهر الانفلات الأخلاقي والترهل الثقافي التي تهدد منظومة القيم وتؤثر سلبًا على وعي الأجيال الجديدة. فحين تتراجع قيمة القدوة، ويحل السطحية محل المعرفة، وتنتشر أنماط سلوكية تفتقر إلى المسؤولية والانضباط، يصبح المجتمع أكثر عرضة للتفكك وفقدان بوصلته الأخلاقية والثقافية.
إن مواجهة هذه الظواهر لا تكون بالمنع أو العقاب وحدهما، بل ببناء وعي حقيقي يعيد الاعتبار للأخلاق والعمل الجاد والعلم والثقافة. كما تتطلب تعزيز دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في نشر القيم الإيجابية، وترسيخ الهوية الوطنية، وحماية العقول من الأفكار الهدامة والمحتويات التي تروج للعنف أو الابتذال أو الاستهانة بالقيم المجتمعية.
ومن الضروري كذلك مكافحة اللامبالاة والاتكالية، وإحياء ثقافة القراءة والمعرفة، وتشجيع الإبداع والابتكار، حتى يصبح المجتمع قادرًا على إنتاج الوعي لا استهلاكه فقط. فالمجتمعات القوية لا تُبنى بالإنجازات المادية وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بصلابة قيمها، وعمق ثقافتها، وقدرتها على الحفاظ على تماسكها الأخلاقي والحضاري في مواجهة التحديات والمتغيرات المتسارعة.

بقلم الدكتور محمد الزنط
المحلل السياسي والاستراتيجي

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإعلامية عائشة الرشيد : دولة الإمارات نموذج عالمي لحكومات المستقبل الرقمية

قالت الإعلامية عائشة الرشيد إن اللجنة العليا للتحول الرقمي الحكومي نظمت النسخة الرابعة من خلوة ...