تمر منطقة الخليج بواحدة من أكثر المراحل الاقتصادية حساسية خلال السنوات الأخيرة ليس بسبب العوامل الاقتصادية التقليدية فحسب بل نتيجة التداخل بين الاقتصاد والسياسة والجغرافيا العسكرية.
فالأحداث المتسارعة في المنطقة خاصة التوترات بين إيران وإسرائيل وما يرتبط بها من مواقف دولية جعلت المستثمر يعيد حساباته بصورة مختلفة عن الماضي.
وأرى أن اقتصادات الخليج ليست الطرف الخاسر بالضرورة في هذه المعادلة بل تمتلك من المقومات ما يمكنها من تحويل التحديات إلى فرص بشرط إدارة المرحلة بحكمة اقتصادية واستثمارية.
من واقع خبرتي في أسواق المال فإن البورصات لا تخشى الأحداث بقدر ما تخشى عدم وضوح الرؤية.
المستثمر يستطيع التكيف مع الأزمات لكنه يتردد عندما يصعب تقدير حجم المخاطر أو مدتها.
لذلك قد نشهد تذبذباً في الأسواق الخليجية على المدى القصير وهو أمر طبيعي في ظل الأوضاع الراهنة.
وفي اعتقادي فإن قطاع الطاقة سيظل المستفيد الأكبر من أي اضطرابات إقليمية تؤثر على أسواق النفط العالمية وهو ما يمنح الاقتصادات الخليجية دعماً مالياً مهماً.
لكن الاعتماد على النفط وحده لم يعد كافياً وقد أثبتت السنوات الأخيرة نجاح دول الخليج في تنويع مصادر دخلها وتعزيز قطاعات السياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والصناعة.
كما أرى أن المستثمر الذكي في هذه المرحلة لا يبحث عن الأرباح السريعة بل عن الفرص الآمنة ذات العائد المستدام. فالأسواق التي تمتلك بنية اقتصادية قوية وتشريعات مستقرة وقدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية ستكون الأكثر قدرة على تجاوز التقلبات.
ومن وجهة نظري فإن دول الخليج نجحت خلال السنوات الماضية في بناء احتياطيات مالية ومشروعات استراتيجية تجعلها أكثر قدرة على مواجهة الصدمات مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.
لكن المرحلة الحالية تتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية وتسريع خطط التنويع وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة.
أما بالنسبة للمستثمرين فأعتقد أن الوقت ليس وقت القرارات العاطفية.
فالبيع بدافع الخوف أو الشراء بدافع الطمع كان دائماً من أكبر أخطاء المستثمرين في أوقات الأزمات.
والأسواق أثبتت تاريخياً أن فترات التوتر تخلق فرصاً استثمارية جيدة لمن يمتلك رؤية طويلة الأجل وإدارة سليمة للمخاطر.
وفي تقديري فإن مستقبل الاقتصاد الخليجي لن تحدده الأحداث العسكرية وحدها بل ستحدده قدرة الحكومات والقطاع الخاص على استثمار هذه المرحلة في جذب رؤوس الأموال وتطوير القطاعات الإنتاجية وتحقيق مزيد من الاستقلال الاقتصادي.
وأختتم برؤية أؤمن بها وهي أن الأزمات تصنع اقتصاديات قوية إذا أحسن التعامل معها وأن دول الخليج تمتلك الإمكانات المالية والبشرية والاستراتيجية التي تؤهلها ليس فقط لعبور المرحلة الحالية بل لتعزيز مكانتها كمركز اقتصادي واستثماري عالمي خلال السنوات المقبلة.
المستشارالاقتصادي د. أحمد رجب
جريدة الوطن العربي سياسية – اجتماعية – اقتصادية – فنية- رياضية- مستقلة
