بقلم الدكتور محمد الزنط
المحلل السياسي والاستراتيجي
ليست مهمة السيد المحافظ أن يستقبل باقات الزهور أو يلتقط الصور البروتوكولية، بل أن يشعر المواطن بأن هناك دولة حاضرة تسمع وتتحرك وتواجه المشكلات الحقيقية على الأرض. فالمناصب التنفيذية لا تُقاس بعدد اللافتات ولا كلمات الترحيب، وإنما بقدرتها على إعادة الانضباط للشارع وفتح أبواب المسؤولين أمام الناس.
مدينة بيلا اليوم تحتاج إلى وقفة جادة، لأن المشهد لم يعد يحتمل مزيدًا من الصمت أو التجميل. المواطن البسيط بات يشعر أن أبواب المسؤولين أُغلقت في وجهه قبل أن تُغلق في وجه مشكلاته، بعدما أصبح مكتب رئيسة المدينة بعيدًا عن الناس، بينما تتراكم الأزمات يومًا بعد يوم دون حلول واضحة أو حضور فعلي على الأرض.
العشوائية أصبحت عنوانًا للمشهد في شوارع المدينة؛ مطبات تُنشأ بلا تخطيط فتتحول الطرق إلى مصائد للمركبات والمواطنين، وإشغالات تحتل الشوارع بلا رقيب، وورش ممتدة على الطرق العامة تشوه الشكل الحضاري وتعطل حركة السير وتعرض حياة الناس للخطر. وكأن القانون غائب، أو أن هناك من قرر أن يترك المدينة تسير بمنطق “كلٌ يفعل ما يشاء”.
ولا تقف الأزمة عند ملف الطرق والإشغالات فقط، بل تمتد إلى ملفات أكثر حساسية تمس حياة المواطن اليومية بشكل مباشر. فالقطاع الصحي يحتاج إلى مراجعة حقيقية؛ شكاوى متكررة من ضعف الخدمات ونقص الإمكانيات وغياب المتابعة. وملف التموين لا يقل أهمية، في ظل معاناة المواطنين مع ارتفاع الأسعار والحاجة إلى رقابة أكثر صرامة على الأسواق وجودة السلع. أما الزراعة، وهي شريان الحياة في مجتمع يعتمد قطاع كبير منه على الأرض، فتحتاج إلى دعم فعلي للفلاح ومواجهة مشكلات الأسمدة والري وارتفاع تكلفة الإنتاج.
المواطن في بيلا لا يريد خطابات مطولة، بل يريد مسؤولًا ينزل إلى الشارع، يسمع الناس، ويرى بنفسه حجم الفوضى والمعاناة. يريد أن يشعر أن المسؤول التنفيذي موجود لخدمته لا معزولًا عنه خلف الأبواب المغلقة.
إن نجاح أي مسؤول لا يتحقق بالمجاملات أو حملات العلاقات العامة، وإنما بقدرته على فرض الانضباط، وإعادة هيبة الدولة، وفتح قنوات التواصل مع المواطنين، ومحاسبة المقصرين، ووضع خطة حقيقية لتحسين الخدمات. فالمحافظ الناجح هو من يرى نبض الشارع بعينيه، لا من تصله التقارير الورقية فقط.
مدينة بيلا تستحق إدارة ميدانية حقيقية، تستحق مسؤولين بين الناس لا بعيدًا عنهم، وتستحق أن تعود مدينة منظمة نظيفة تُدار بالقانون لا بالعشوائية. لأن كرامة المواطن تبدأ من شعوره أن هناك من يسمعه… ويتحرك من أجله.
جريدة الوطن العربي سياسية – اجتماعية – اقتصادية – فنية- رياضية- مستقلة
