B نوال قارة تركي.. تكتب : الكلمة معيار الحضارة وأثرها في بناء الانسان - جريدة الوطن العربي
الرئيسية » تحقيقات وتقارير » نوال قارة تركي.. تكتب : الكلمة معيار الحضارة وأثرها في بناء الانسان
https://cairoict.com/trade-visitor-registration/

نوال قارة تركي.. تكتب : الكلمة معيار الحضارة وأثرها في بناء الانسان

في العصر الحديث، أضحى ميزان التقدير والاحترام، بل وحتى الشرف في كثير من الأحيان، مرهونًا بما يحمله الإنسان من أموال طائلة وممتلكات ثمينة، وكأن القيمة الإنسانية اختُزلت في المادة وحدها، باعتبارها الشيء الملموس والمرئي القادر ـ في نظر البعض ـ على تحقيق نوع من السعادة الجسدية العابرة. وهكذا يجد الإنسان الذي يقيس الأشياء بميزان المادة نفسه أسيرًا للعالم الخارجي، تتحدد سعادته بامتلاكه لما يحيط به من مظاهر الثراء، في حين يفتقد إلى تلك السعادة العميقة التي تنبع من الداخل، والمبنية على القيم الروحية والأخلاقية.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أن الإنسان قد أخذ يتجرد شيئًا فشيئًا من معاني الطيبة التي تولد من رحم الكلمة؛ تلك الكلمة التي تبدو صغيرة في حجمها، لكنها عظيمة في أثرها، لأنها رموز غير مرئية لا يمكن تجسيدها ماديًا في العالم الخارجي. وقد أدى هذا الفهم السطحي إلى الاستهانة بقيمة الكلمة والاستخفاف بقدرتها لدى كثير من الناس. غير أن الحقيقة تظل ثابتة: فالكلمة، رغم صغرها، تختزن في ثناياها طاقة جياشة وقوة متدفقة، يتجلى أثرها في بناء شخصية متوازنة، ويتسع مداها ليُسهم في تشكيل وعي اجتماعي يقوم على التماسك والتلاحم بين أفراد المجتمع.

انطلاقًا مما سبق، يمكننا إبراز المعنى الحقيقي لمفهوم التحضّر، والكشف عن دلالاته العميقة التي تتجلى في الكلمة الطيبة، وما تتركه من أثر إيجابي في أرواح الأفراد ونفوسهم. فالكلمة الحسنة ليست مجرد تعبير عابر، بل هي قوة محركة ومحفزة، تُعدّ من أهم الركائز التي تسهم في رفع الروح المعنوية، وبعث الطمأنينة في النفس الإنسانية.

ذلك أنها تبادر إلى تعزيز الثقة بالنفس، بوصفها أساسًا لترسيخ التوازن الشخصي والاجتماعي، كما تفتح آفاقًا واسعة لتنمية المهارات وصقل المؤهلات، وتُسهم في بناء القدرات الفكرية والعقلية بناءً سليمًا ومتزنًا. ومن جهة أخرى، تعمل على دعم الحسّ النقدي الفعّال، الذي يحرر الإنسان من أسر التقليد الأعمى، ويدفعه نحو التفكير الواعي والإبداع المسؤول.

ولا يقف أثر الكلمة الطيبة عند حدود الفرد، بل يتجاوز ذلك إلى صناعة شخصيات قيادية واعية، تحمل رسالة سامية، وتنهض بالمجتمع نحو مراتب الرقي والتحضر. وقد جسّد التاريخ الإسلامي هذا المعنى أسمى تجسيد، مع بزوغ فجر الإسلام وظهور نبوّة النبي محمد ﷺ، حيث كان للكلمة الطيبة أثر بالغ في تثبيت الدعوة وتقوية العزائم. ويكفي أن نستحضر موقف أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، حين صدّقته وآزرته بكلماتها الصادقة، فكانت سندًا نفسيًا عظيمًا، أسهم في تعزيز همته وتقوية عزيمته في سبيل تبليغ الرسالة، حتى أتمّ الله نوره وبلغت الدعوة كمالها.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإعلامية عائشة الرشيد : دولة الإمارات نموذج عالمي لحكومات المستقبل الرقمية

قالت الإعلامية عائشة الرشيد إن اللجنة العليا للتحول الرقمي الحكومي نظمت النسخة الرابعة من خلوة ...