بقلم الدكتور محمد الزنط
المحلل السياسي والاستراتيجي
هناك حالة مربكة تعيشها مجتمعاتنا، حالة يمكن وصفها بانقسام داخلي حاد في المعايير والقيم، كأن الوعي الجمعي يتحرك في اتجاهين متناقضين في الوقت نفسه. هذا الاضطراب لا يظهر فجأة، بل هو نتيجة تراكمات طويلة من الخلط بين الدين والتدين الشكلي، بين المعرفة الحقيقية والدجل، وبين التفكير النقدي والاستسلام للموروث دون تمحيص.
ما نراه اليوم من تعاطف غير مبرر مع بعض الظواهر أو الشخصيات المثيرة للجدل ليس أمرًا طارئًا، بل هو امتداد طبيعي لهذا الخلل العميق. في لحظة، قد يتحول الجاني إلى بطل في نظر البعض، وتُلبس الضحية ثوب الاتهام، وكأن المجتمع يعيد صياغة الحقيقة وفقًا لهواه، لا وفقًا للعدل أو المنطق. وفي لحظة أخرى، قد ينقلب المشهد تمامًا، فيتعاطف مع الضعيف، لكنه لا يتخلى في الوقت ذاته عن تبرير القسوة التي وقعت عليه.
هذا التناقض يعكس نوعًا من الاحتجاج غير الواعي، احتجاج على غياب المرجعيات الواضحة التي تضبط المفاهيم، وعلى غياب دور حقيقي للمؤسسات في ترسيخ الفارق بين الاجتهاد المشروع والتضليل، وبين التجديد الواعي والانحراف المغلف بشعارات براقة. وكأن المجتمع، في حيرته، يعاقب نفسه بنفسه، فيخلط بين الخير والشر، وبين الخطأ والصواب، دون قدرة حقيقية على الحسم.
الأدب والفن التقطا هذه الحالة منذ زمن، حيث جسدت بعض الأعمال صورة مجتمع يدّعي التمسك بالقيم، لكنه في الواقع يمارس عكسها. مجتمع قد يرفع شعارات الفضيلة، لكنه في مواقف حاسمة ينحاز للسلطة أو للقوة أو حتى للشهوة، متجاهلًا إنسانية الضعيف. بل وقد يصل الأمر إلى حد إعادة تفسير المأساة نفسها، فتحويل أماكن الألم والانتهاك إلى رموز للبركة، في محاولة غريبة للتصالح مع واقع مؤلم بدل مواجهته.
هذه الازدواجية تظهر أيضًا في تعامل الناس مع القضايا المعاصرة؛ فترى تعاطفًا مع الجاني في بعض الجرائم، أو تبريرًا لسلوكيات منحرفة طالما ارتدت ثوب الدين أو الأخلاق، بينما يُقسى الحكم على الضحية أو يتم التشكيك في روايتها. إنها دائرة مغلقة من الخلط، حيث تختفي الحدود الفاصلة بين المسؤولية والتبرير، وبين التعاطف والخلط الأخلاقي.
في النهاية، نحن أمام مجتمع يمتلك قدرة غريبة على التعايش مع التناقضات، بل واحتضانها أحيانًا. يرى الظلم، فيبرره من زاوية، ويرفضه من زاوية أخرى. يتعاطف مع الضعف، لكنه لا يتوقف عن إنتاج الظروف التي تصنع هذا الضعف. وربما تظل هذه الحالة لغزًا مفتوحًا، يدعو للتأمل: كيف يمكن لوعي جمعي أن يجمع بين هذه الأضداد دون أن ينفجر أو يعيد ترتيب نفسه؟
الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بالاعتراف بأن المشكلة ليست في حدث بعينه أو شخص بعينه، بل في بنية فكرية تحتاج إلى مراجعة عميقة، تعيد تعريف القيم على أسس أكثر وضوحًا واتساقا..
جريدة الوطن العربي سياسية – اجتماعية – اقتصادية – فنية- رياضية- مستقلة
