منذ ظهور السينما في نهاية القرن التاسع عشر، لم يعد الفن مجرد وسيلة للتسلية أو الهروب المؤقت من الواقع، بل تحوّل إلى قوة رمزية قادرة على تشكيل الوعي الجماعي، وتوجيه القيم، وإعادة بناء التصورات الاجتماعية والثقافية لدى الأفراد والمجتمعات.
فالسينما، التي أطلق عليها اسم “الفن السابع”، لم تكن يومًا مجرد صورة متحركة، بل أصبحت لغة حضارية كاملة، تتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية، وتخاطب الإنسان في وجدانه وعقله معًا.
وفي عالم يشهد أزمات أخلاقية وثقافية متسارعة، يبرز سؤال جوهري:
هل يمكن للفن السابع أن يتحول من أداة للترفيه والاستهلاك إلى وسيلة للإصلاح الاجتماعي وبناء الإنسان؟
إن التجربة السينمائية العالمية والعربية تؤكد أن السينما ليست محايدة دائمًا؛ فهي قادرة على الهدم كما هي قادرة على البناء، وقادرة على إحياء القيم كما تستطيع نشر التفكك والانحلال.
ومن بين أبرز النماذج التي جسدت البعد الإصلاحي للسينما الإسلامية، يبرز فيلم الرسالة للمخرج العالمي مصطفى العقاد، بوصفه نموذجًا فريدًا استطاع أن يحوّل الفن إلى رسالة حضارية وأخلاقية خالدة.
السينما كأداة لصناعة الوعي
يرى عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان أن “الوسيلة هي الرسالة”، بمعنى أن وسائل الإعلام لا تنقل الأفكار فقط، بل تعيد تشكيل وعي الإنسان وطريقة إدراكه للعالم.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، فإن السينما لا تؤثر فقط عبر مضمون القصة، بل من خلال الصورة، والموسيقى، والانفعال العاطفي، وطريقة بناء الشخصيات، وهو ما يجعل تأثيرها أعمق من الخطاب المباشر أو الوعظ التقليدي.
فالإنسان قد ينسى خطبة طويلة، لكنه لا ينسى مشهدًا سينمائيًا صادقًا هزّ مشاعره وغير نظرته للحياة.
ومن هنا تتحول السينما إلى “مدرسة غير مباشرة” لتكوين القيم الاجتماعية.
.النظرية الوظيفية ودور الفن في استقرار المجتمع
وفق النظرية الوظيفية التي أسسها عالم الاجتماع إميل دوركايم، فإن كل مؤسسة داخل المجتمع تؤدي وظيفة محددة للمحافظة على التوازن والاستقرار الاجتماعي.
وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى الفن باعتباره ترفًا ثقافيًا، بل باعتباره مؤسسة رمزية تسهم في إعادة إنتاج القيم المشتركة وتعزيز الانتماء الجماعي.
فالسينما الهادفة تستطيع أن:
تعزز قيم التضامن والتسامح.
تساهم في محاربة العنف والانحراف.
تنشر الوعي الديني والأخلاقي.
تعيد إحياء الهوية الحضارية للأمة.
تزرع الأمل والانتماء داخل المجتمعات المأزومة.
وعندما يفقد الفن هذا الدور الإصلاحي، يتحول إلى مجرد صناعة استهلاكية فارغة، تنتج الترفيه دون معنى.
.فيلم “الرسالة” وإحياء الوعي الإسلامي
يُعد فيلم الرسالة واحدًا من أعظم الأعمال السينمائية في تاريخ الفن العربي والإسلامي، ليس فقط بسبب جودته الفنية، بل لأنه استطاع أن يقدّم الإسلام بوصفه رسالة إنسانية عالمية قائمة على الرحمة والعدل والتحرر.
لقد نجح مصطفى العقاد في تقديم عمل سينمائي حافظ على قدسية الموضوع الديني، وفي الوقت نفسه استخدم أحدث التقنيات السينمائية آنذاك ليصل إلى الجمهور العالمي.
فالفيلم لم يكن مجرد سرد تاريخي لبداية الدعوة الإسلامية، بل كان مشروعًا حضاريًا لإصلاح الصورة الذهنية عن الإسلام، خصوصًا في الغرب.
وقد تجلت قوة الفيلم في عدة مستويات:
1. إحياء القيم الأخلاقية
أعاد الفيلم إبراز القيم الإسلامية الكبرى مثل:
العدل،
المساواة،
الرحمة،
الصبر،
تحرير الإنسان من العبودية والظلم.
فشخصية بلال بن رباح مثلًا لم تُقدَّم كشخصية تاريخية فقط، بل كنموذج إنساني للتحرر والكرامة الإنسانية.
. تصحيح الصورة النمطية عن الإسلام
وفق نظرية “الغرس الثقافي” لعالم الاتصال جورج جربنر، فإن التكرار الإعلامي يصنع تصورات طويلة المدى داخل عقول الجماهير.
وقد استطاع فيلم “الرسالة” أن يواجه الصور السلبية التي ربطت الإسلام بالعنف والتخلف، من خلال تقديم خطاب بصري راقٍ يبرز البعد الحضاري والإنساني للدين الإسلامي.
. بناء الهوية الجماعية
يرى عالم الاجتماع بيير بورديو أن الثقافة تشكل ما يسمى بـ”الرأسمال الرمزي”، أي القوة المعنوية التي تمنح المجتمعات احترامها وهويتها.
ومن هذا المنطلق، ساهم فيلم “الرسالة” في تعزيز شعور المسلمين بالفخر الحضاري والانتماء الثقافي، خصوصًا لدى الأجيال الجديدة التي تعرفت على تاريخ الإسلام بلغة سينمائية مؤثرة.
.الفن بين الرسالة والتفكك
تكمن خطورة السينما الحديثة في أنها أصبحت أحيانًا أداة لإعادة تشكيل القيم بصورة سلبية، عبر تطبيع العنف، وتسليع المرأة، وتمجيد الانحلال، وتحويل الإنسان إلى كائن استهلاكي تحكمه الرغبات اللحظية.
وهنا يظهر الفرق بين “السينما الرسالية” و”السينما التجارية”.
فالسينما الرسالية لا تعني الفن الوعظي الجاف، بل الفن الذي يجمع بين:
الجمال،
والعمق الفكري،
والبعد الإنساني،
والمسؤولية الأخلاقية.
وهو ما جسده فيلم “الرسالة” بامتياز.
.السينما والإصلاح الاجتماعي المعاصر
في عصر المنصات الرقمية، أصبحت الصورة أكثر تأثيرًا من الكتاب، وأصبحت الأجيال الجديدة تتلقى وعيها عبر المشاهد المرئية أكثر من الخطب والمحاضرات.
لذلك، فإن المجتمعات العربية اليوم بحاجة إلى مشروع سينمائي جديد يقوم على:
إنتاج أعمال تحترم العقل والهوية،
معالجة قضايا الشباب والانحراف والمخدرات والعنف الأسري،
إحياء النماذج التاريخية المشرقة،
تقديم المرأة باعتبارها عنصر بناء لا أداة استهلاك بصري،
توظيف الفن لخدمة الإنسان لا لتفكيكه.
فالسينما التي لا تحمل رسالة أخلاقية قد تنجح تجاريًا، لكنها تفشل حضاريًا.
لقد أثبت الفن السابع عبر تاريخه أنه ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل قوة ناعمة قادرة على إعادة تشكيل المجتمعات وبناء الوعي الجماعي.
وفيلم الرسالة يبقى شاهدًا حيًا على أن السينما تستطيع أن تكون منبرًا للإصلاح، وجسرًا للحوار الحضاري، ووسيلة لإحياء القيم الإنسانية والدينية في زمن تتصارع فيه الصور والمعاني.
فحين يتحول الفن إلى رسالة، تصبح الشاشة مدرسة، وتصبح الصورة نورًا، ويصبح الإبداع طريقًا لإصلاح الإنسان لا لإفساده.
جريدة الوطن العربي سياسية – اجتماعية – اقتصادية – فنية- رياضية- مستقلة
