B نوال قارة تركي.. تكتب : عندما تُهدر مكانةُ العلم وتُختزل قيمتُه في الماديات - جريدة الوطن العربي
عاجل
الرئيسية » تحقيقات وتقارير » نوال قارة تركي.. تكتب : عندما تُهدر مكانةُ العلم وتُختزل قيمتُه في الماديات
https://cairoict.com/trade-visitor-registration/

نوال قارة تركي.. تكتب : عندما تُهدر مكانةُ العلم وتُختزل قيمتُه في الماديات

منذ أن خُلق الإنسان، كان العلم وسيلته لفهم الكون وتطوير حياته والارتقاء بمجتمعه. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تكون أول كلمة نزل بها الوحي هي: ﴿اقْرَأْ﴾، في إشارة واضحة إلى أن المعرفة هي أساس النهضة الإنسانية. غير أن واقع بعض المجتمعات اليوم يكشف عن ظاهرة مقلقة، تتمثل في اختزال قيمة العلم في العائد المادي فقط، حتى أصبح كثير من الناس يقيسون أهمية التخصصات العلمية بقدر ما تدرّه من مال، لا بقدر ما تضيفه من معرفة أو خدمة للإنسان.
يرى الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت أن العلم هو الطريق الذي يقود الإنسان إلى الحقيقة ويحرره من الجهل والأوهام. ومن هذا المنطلق، فإن حصر قيمة العلم في الجانب المادي يُفقده رسالته الأساسية، ويجعله مجرد وسيلة للكسب بدل أن يكون وسيلة للفهم والتقدم. فالعلم في جوهره بحث عن الحقيقة قبل أن يكون طريقًا إلى الوظيفة أو الثروة.
كما يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في نظرية “الرأسمال الثقافي” أن المعرفة تمثل ثروة رمزية لا تقل أهمية عن الثروة الاقتصادية. فالمجتمعات التي تمنح التقدير للعلماء والباحثين تحقق تقدمًا حضاريًا أكبر من تلك التي تجعل المال وحده معيارًا للمكانة الاجتماعية. وعندما تُهمش المعرفة لصالح المادة، تتراجع قيمة الفكر والإبداع ويصبح النجاح مرهونًا بحجم الثروة لا بمقدار العطاء الفكري.
ومن جهة أخرى، انتقد فلاسفة النظرية النقدية، وعلى رأسهم ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، تحويل المعرفة إلى سلعة تخضع لقوانين السوق. فحين يصبح الهدف من التعليم هو الربح فقط، تتحول المؤسسات التعليمية إلى فضاءات لإنتاج الشهادات بدل إنتاج العقول القادرة على التفكير والإبداع. وهنا يفقد العلم دوره التنويري ويتحول إلى أداة اقتصادية مجردة.
أما كارل ماركس، فقد تحدث عن مفهوم “الاغتراب”، وهو مفهوم يمكن توظيفه لفهم واقع بعض الباحثين والعلماء الذين يشعرون بأن جهودهم العلمية أصبحت خاضعة لمتطلبات الربح والمنافسة الاقتصادية، بدل أن تكون موجهة لخدمة الإنسان والمجتمع. وفي هذه الحالة يفقد العلم بعده الإنساني والأخلاقي.
وفي العصر الحديث، تؤكد نظرية “مجتمع المعرفة” أن الثروة الحقيقية للأمم لم تعد تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية فقط، بل بما تنتجه من معرفة وابتكار. فالدول المتقدمة لم تصل إلى مكانتها بسبب وفرة المال وحده، وإنما بفضل استثمارها في التعليم والبحث العلمي وتشجيع العقول المبدعة.
إن خطورة اختزال العلم في الماديات تكمن في إهمال تخصصات كثيرة يحتاجها المجتمع، كالفلسفة وعلم النفس والآداب والعلوم الإنسانية، بحجة أنها لا تحقق أرباحًا كبيرة. غير أن هذه العلوم تؤدي دورًا أساسيًا في بناء الوعي وتطوير الفكر وترسيخ القيم الإنسانية.
وفي الختام، يبقى العلم قيمة حضارية وأخلاقية قبل أن يكون وسيلة مادية. فالمال قد يحقق الرفاهية المؤقتة، أما العلم فيصنع الحضارات ويضمن استمراريتها. وعندما تُهدر مكانة العلم وتُختزل قيمته في الماديات، يفقد المجتمع أحد أهم أسس نهضته، لأن الأمم تُبنى بالعقول قبل أن تُبنى بالأموال.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الإعلامية عائشة الرشيد : ليلة قاسية عاشتها إسرائيل فوق “علي الطاهر”

قالت الإعلامية عائشة الرشيد إن جبهة جنوب لبنان شهدت انفجاراً ميدانياً مروعاً خرق هدوء الاتفاق ...