أثبتت الأحداث التي شهدها العالم خلال هذا الأسبوع أن الاقتصاد لم يعد يتحرك بالأرقام والمؤشرات المالية فقط. بل أصبحت القرارات السياسية والتطورات الجيوسياسية من أهم العوامل المؤثرة في حركة الأسواق العالمية وأسعار الذهب والنفط والعملات.
ففي الوقت الذي كانت فيه الأسواق تترقب اتجاه أسعار الفائدة العالمية جاءت التطورات السياسية الأخيرة
خاصة المتعلقة بالملف الإيراني والمواقف الأمريكية
لتعيد رسم خريطة التوقعات الاقتصادية
وتدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم استثماراتهم
ومراكزهم المالية.
لقد تابع العالم باهتمام كبير التصريحات والتحركات الأمريكية الأخيرة بشأن الملف الإيراني وما صاحبها من مؤشرات على تراجع احتمالات التصعيد العسكري واتساع دائرة المواجهة في منطقة الشرق الأوسط.
وبمجرد ظهور بوادر التهدئة، انعكس ذلك سريعًا على الأسواق العالمية التي بدأت في تسعير مرحلة جديدة أقل توترًا وأكثر استقرارًا.
ومن المعروف أن منطقة الشرق الأوسط تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم، ولذلك فإن أي توتر سياسي أو عسكري في المنطقة يؤدي إلى ارتفاع المخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية وهو ما يدفع الأسعار إلى الصعود. أما عندما تتراجع احتمالات التصعيد، فإن الأسواق تتجه إلى خفض علاوة المخاطر وهو ما ينعكس في صورة تراجع أسعار النفط وهدوء نسبي في أسواق الطاقة.
ومن وجهة نظري فإن ما حدث هذا الأسبوع يؤكد حقيقة اقتصادية مهمة وهي أن أسعار النفط لا تتحرك فقط وفقًا لمعادلات العرض والطلب وإنما أصبحت تتأثر بشكل مباشر بدرجة الاستقرار السياسي والأمني في المناطق الحيوية للاقتصاد العالمي.
كما شهدنا خلال الأيام الماضية تغيرًا ملحوظًا في حركة الذهب الذي يعد الملاذ الآمن الأول للمستثمرين في أوقات الأزمات. فمع تراجع المخاوف الجيوسياسية انخفضت وتيرة الإقبال على الذهب مقارنة بالفترات التي ارتفعت فيها احتمالات التصعيد وهو ما يؤكد أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون مع الذهب باعتباره أداة للتحوط ضد المخاطر وعدم اليقين.
أما أسواق المال العالمية فقد ظلت في حالة من الترقب خاصة مع استمرار الجدل حول مستقبل أسعار الفائدة الأمريكية واتجاه السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة. فالمستثمرون يدركون أن أي تغيير في تكلفة الاقتراض الأمريكية ستكون له انعكاسات مباشرة على حركة رؤوس الأموال العالمية والأسواق الناشئة.
وبالنسبة للاقتصاد المصري أرى أن انخفاض أسعار النفط أو استقرارها عند مستويات معتدلة يمثل عاملًا إيجابيًا مهمًا لأنه يخفف الضغوط المتعلقة بتكاليف الطاقة والنقل والإنتاج، كما يمنح الاقتصاد مساحة أكبر للتحرك في مواجهة التحديات العالمية.
وفي الوقت نفسه فإن هدوء الأوضاع الجيوسياسية يساعد على تحسين مناخ الاستثمار العالمي ويشجع تدفقات رؤوس الأموال نحو الأسواق الناشئة، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على فرص جذب الاستثمارات الأجنبية خلال المرحلة المقبلة.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية فإن العالم ما زال يعيش حالة من عدم اليقين الاقتصادي حيث تتداخل السياسة مع الاقتصاد بصورة غير مسبوقة وتصبح تصريحات القادة السياسيين أحيانًا أكثر تأثيرًا من بعض البيانات الاقتصادية الرسمية.
لذلك أعتقد أن المرحلة المقبلة ستظل تتسم بارتفاع مستويات التقلب في الأسواق العالمية وأن المستثمر الناجح هو من يتابع التطورات الجيوسياسية بنفس القدر الذي يتابع به المؤشرات الاقتصادية.
وفي النهاية فإن الدرس الأهم من أحداث هذا الأسبوع هو أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر ارتباطًا بالسياسة من أي وقت مضى وأن فهم المشهد الجيوسياسي لم يعد رفاهية
بل أصبح ضرورة لكل مستثمر وصانع قرار ومتابع للشأن الاقتصادي.
المستشار الاقتصادي د.أحمد رجب
جريدة الوطن العربي سياسية – اجتماعية – اقتصادية – فنية- رياضية- مستقلة
